أبو حامد الغزالي

266

تهافت الفلاسفة

ما بقي هو الذي فيه قوة العدم ، وقبوله وإمكانه ، كما أن ما بقي عند طريان الوجود ، يكون غير ما طرأ ، وقد كان ما فيه قوة قبول الطارئ . فيلزم أن يكون الشئ الذي طرأ عليه العدم ، مركبا من شئ انعدم ، ومن قابل للعدم بقي مع طريان العدم ، وقد كان هو حامل قوة العدم ، قبل طريان العدم ويكون حامل قوة العدم كالمادة ، والمنعدم منها كالصورة . ولكن النفس بسيطة ، وهي صورة مجردة عن المادة ، لا تركيب فيها ، فإن فرض فيها تركيب من صورة ومادة ، فنحن ننقل البيان إلى المادة ، التي هي السنخ « 1 » والأصل الأول ، إذ لا بد أن ينتهى إلى أصل ، فنحيل العدم على ذلك الأصل ، وهو المسمى نفسا ، كما نحيل العدم على مادة الأجسام ، فإنها أزلية أبدية ، وإنما تحدث عليها الصور ، وتنعدم منها الصور ، وفيها قوة طريان الصور عليها ، وقوة طريان انعدام الصور منها ، فإنها قابلة للضدين على السواء . وقد ظهر من هذا أن كل موجود أحدى الذات ، يستحيل عليه العدم . ويمكن تفهيم هذا بصيغة أخرى ، وهي أن قوة الوجود للشئ ، تكون قبل وجود الشئ ، فتكون لغير ذلك الشئ ، ولا يكون نفس قوة الوجود . بيانه أن الصحيح البصر ، يقال : إنه بصير بالقوة ، أي فيه قوة الإبصار ، ومعناه أن الصفة التي لا بد منها في العين ، ليصح الإبصار ، موجودة ، فإن تأخر الإبصار ، فلتأخر شرط آخر ، فتكون قوة الإبصار للسواد مثلا ، موجودة للعين قبل إبصار السواد بالفعل ، فإن حصل إبصار السواد بالفعل ، لم تكن قوة إبصار ذلك السواد موجودة عند وجود ذلك الإبصار ، إذ لا يمكن أن يقال : مهما حصل الإبصار ، فهو مع كونه موجودا بالفعل ، موجود بالقوة ، بل قوة الوجود ، لا تضام حقيقة الوجود الحاصل بالفعل أبدا . وإذا ثبتت هذه المقدمة فنقول : لو انعدم الشئ البسيط ، لكان إمكان

--> ( 1 ) السنخ هو الأصل .